فخر الدين الرازي
139
المطالب العالية من العلم الإلهي
الإحسان ، وما كان ذلك الإحسان سببا للضرر « 1 » في حقه البتة ، فحينئذ يكون الامتناع منه مذموما في [ غاية ] « 2 » النهاية . ويمكن تقرير هذا الكلام بوجه آخر ، فيقال : إنه تعالى إما أن يقال : إنه [ ما ] « 3 » كان قادرا على الإيجاد في الأزل ، أو يقال : إنه كان قادرا عليه ، إلا أنه لو فعله ، لصار ذلك سببا لعود نوع من أنواع الضرر إليه ، أو يقال : كان قادرا على الإيجاد في الأزل ، وكان منزها عن عود الضرر إليه . أما القسم الأول : فإنه يقتضي انتقال الخالق من العجز إلى القدرة . وأما القسم الثاني : فإنه يقتضي [ انتقال الخالق من الضرر إلى الراحة . وأما القسم الثالث : فإنه يقتضي ] « 4 » البخل والنقص . لأنه لما كان قادرا على هذا الإحسان ، وما كان له فيه ضرر البتة ، فيكون الامتناع عنه محض البخل [ والنقص ] « 5 » وكل ذلك على الإله الحكيم محال . وأما السؤال الثالث : فجوابه : أن عند القوم : حدوث كل حادث متأخر ، مشروط بدخول الحادث المتقدم في الوجود ، بناء على القاعدة التي ذكرناها في سبب حدوث الحوادث اليومية . وإذا كان الأمر كذلك ، لم يلزم من عدم إيجاد هذا الشخص المعين قبل أن وجد : عيب ولا نقص . الحجة الثالثة : علة وجود العالم : وجود « 6 » البارئ تعالى ، ووجوده أزلي . فعلة وجود العالم أزلية فيلزم كون العالم أزليا . فإن قالوا : الجود « 7 » هو الإفادة والتحصيل . فقولكم : جود البارئ تعالى : أزلي . معناه : أن كونه موجدا للعالم أزلي ، وذلك عين المطلوب ، قلنا : تحقيق هذا الكلام : إن جملة ما يصدر عن البارئ تعالى لا بد [ له ] « 8 » من مؤثر فمجموع الأمور المعتبرة في المصدرية : قائم وإلا لزم افتقاره إلى مؤثر آخر ولزم التسلسل ، وإذا كان
--> ( 1 ) شيئا للضرورة ( ت ) ( 5 ) من ( ط ، س ) ( 2 ) من ( ط ، س ) ( 6 ) وجود ( ت ) ( 3 ) من ( ت ) ( 7 ) الوجود ( ت ) ( 4 ) من ( ت ) ( 8 ) من ( س )